لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 16 يوليو 2016 الساعة 01:06:24 صباحاً

كلمات دلالية :

الظلمالسوء
لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ

لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ

إِلاَّ مَن ظُلِمَ

في هذه الأيام التي شاع فيها الظلم والطغيان والبغي والفساد , وجاهر فيه الظالمون بظلمهم وتفاخروا به , وهلل له مؤيدوهم ومن ظنوا أنهم بمنأي عن أن يطالهم هذا الظلم ,

ورأي المظلومون هذا كله , فأخذ بعضهم في الرد علي هذا الظلم والسوء الذي يلاقونه , فأطلقوا لألسنتهم العنان في سب الظالمين وأعوانهم , دون تحرج من الألفاظ التي يطلقونها بدعوي أنهم مظلومين , وأنه لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ), وأن بعض الصحابة قد صدر منهم بعض هذا الكلام في بعض المواقف , ونسوا ختام الآية الكريمة والآية التي بعدها , وأن الصحابة لم يتكرر منهم هذا القول مرة أخري ,

وأن الله حدد الجهر بالسوء , ووضع له ضوابط يجب احترامها والإلتزام بها , خاصة من أصحاب الدعوات , والذين يحملون رسالة الأدب والخلق الجميل إلي الناس جميعا ,

قال تعالي :

{ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} – النساء {148، 149} .

لا يحب الله أن : يجهر أحد بقول السوء, ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن، كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك ,

لكن يباح للمظلوم أن : يذكر ظالمه بما فيه من السوء , ليبين مظلمته , ويجوز له أن يدعو على من ظلمه ويتشكى  منه، ويجهر بالسوء لمن جهر له به، من غير أن يكذب عليه ولا يزيد على مظلمته، ولا يتعدى بشتمه غير ظالمه،  وكان الله سميعا لما تجهرون به , عليما بما تخفون من ذلك ,

ثم ندب الله تعالي إلي العفو , ومهد له بأن المؤمن : إما أن يظهر الخير , وإما أن يخفيه ,

وكذلك مع الإساءة : إما أن يظهرها في حال الإنتصاف من المسيئ , وإما أن يعفو ويصفح ,

ومع ذلك فعفوه وعدم مقابلته أولى، كما قال تعالى: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ, فإن من صفاته تعالي العفو عن عباده مع قدرته عليهم , فلهذا قال: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًاأي: يعفو عن زلات عباده وذنوبهم العظيمة فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر عن قدرته.

- في تفسير ابن كثير :

وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية : هو الرجل يشتمك فتشتمه , ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه لقوله « وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ » - الشوري 41-

عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي  - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن لي جارا يؤذيني , فقال له : أخرج متاعك فضعه على الطريق , فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق , فكل من مر به قال : مالك ..؟ قال : جاري يؤذيني , فيقول : اللهم العنه .. اللهم أخزه , قال : فقال الرجل : ارجع إلى منزلك والله لا أوذيك أبدا "

- وفي تفسير القرطبي :

المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به ,

ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك :

 فقال الحسن:

هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي ,  فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء.

وقال ابن عباس وغيره:

المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له؛ فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم.

وقال أيضا هو والسدي: لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول.

للمظلوم أن ينتصر من ظالمه - ولكن مع اقتصاد - وإن كان مؤمنا كما قال الحسن؛ فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا؛.

 وإن كان كافرا فأرسل لسانك وأدع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم  حيث قال: «اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وقال: «اللهم عليك بفلان وفلان»سماهم.

وإن كان مجاهرا بالظلم دعي عليه جهرا، ولم يكن له عرض محترم ولا بدن محترم ولا مال محترم.

وقوله تعالى: « وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا » تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار.

 ثم أتبع هذا بقوله:

« إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ » فندب إلى العفو ورغب فيه , والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام؛

- في الظلال :

لقد كان هذا القرآن ينشى ء أمة  جديدة , ينشئها من المجموعات المسلمة التي التقطها الإسلام من سفوح الجاهلية التي كانت تهيم فيها ; ليأخذ بيدها في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة ; وليسلمها بعد أن تكمل نشأتها قيادة البشرية ; ويحدد لها دورها الضخم في هذه القيادة ,

ومن بين عوامل البناء : تطهير ضمائر هذه الجماعة ; وتطهير جو المجتمع الذي تعيش فيه ; ورفع المستوى الخلقي والنفسي الذي تستوي عليه ,

- وحينما بلغت تلك الجماعة هذا المستوى :

تفوقت في أخلاقها الفردية والاجتماعية ; بقدر تفوقها في تصورها الاعتقادي ; على سائر أهل الأرض , وعندئذ صنع الله بها في الأرض ما قدر أن يصنعه ; وأقامها حارسة لدينه ومنهجه ; وقائده للبشرية الضالة إلى النور والهدى ; وأمينة على قيادة البشرية وإرشادها ,

- وحينما تفوقت في هذه الخصائص : تفوقت على كل أهل الأرض ; فكانت قيادتها للبشرية أمرا طبيعيا وفطريا ; وقائما على أسسه الصحيحة ,

- ومن هذا الوضع الممتاز : تفوقت كذلك في العلم والحضارة والاقتصاد والسياسة , وكان هذا التفوق الأخير ثمرة للتفوق الأول في المستوى الاعتقادي والاخلاقي , وهذه هي سنة الله في الأفراد والجماعات  ,

- وطرف من هذا التطهير للنفس والمجتمع يتمثل في هاتين الآيتين :

{لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا– النساء {148، 149} .

إن المجتمع شديد الحساسية وفي حاجة إلى آداب اجتماعية تتفق مع هذه الحساسية , ورب كلمة عابرة لا يحسب قائلها حسابا لما وراءها ; ورب شائعة عابرة لم يرد قائلها بها إلا فردا من الناس , ولكن هذه وتلك تترك في نفسية المجتمع وفي أخلاقه وفي تقاليده وفي جوه آثارا مدمرة ; وتتجاوز الفرد المقصود إلى الجماعة الكبيرة ,

- والجهر بالسوء من القول في أية صورة من صوره :

سهل على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى لله,  وشيوع هذا السوء كثيرا ما يترك آثارا عميقة في ضمير المجتمع  , كثيرا ما يدمر الثقة المتبادلة في هذا المجتمع ,  فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالبا ,

وكثيرا ما يزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء , ولكنهم يتحرجون منه أن يفعلوه , لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه فلا تحرج إذن ولا تقيه , وهم ليسوا بأول من يفعل ,

وكثيرا ما يذهب ببشاعة السوء بطول الألفة  , فالإنسان يستقبح السوء أول مرة بشدة ; حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه ; وسهل على النفوس أن تسمع , بل أن ترى ولا تثور للتغيير على المنكر ,

ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم , وقد يكونون منه أبرياء , ولكن قالة السوء حين تنتشر ; وحين يصبح الجهر بها هينا مألوفا فإن البريء قد يتقول عليه مع المسيء ; ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام ; ويسقط الحياء النفسي والإجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح ; والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء ,

إن الجهر بالسوء :

 يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية سبا وقذفا وينتهى انحلالا اجتماعيا ; وفوضى أخلاقية ; تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفرادا وجماعات ; وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض ; وقد شاعت الاتهامات ; ولاكتها الألسنة بلا تحرج ,

 لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء , وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم ; يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم ; في حدود ما وقع عليه منه من الظلم { لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ {

 يكون الوصف بالسوء ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف انتصارا من ظلم ودفعا لعدوان ,وردا لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته ; وتشهيرا بالظلم والظالم في المجتمع ; لينتصف المجتمع للمظلوم ; وليضرب على يد الظالم ; وليخشى الظالم عاقبة فعله فيتردد في تكراره ,

- والجهر بالسوء عندئذ يكون :

محدد المصدر من الشخص الذي وقع عليه الظلم ,

محدد السبب فهو الظلم المعين الذي يصفه المظلوم موجها إلى شخص بذاته هو الذي وقع منه الظلم ,

 عندئذ يكون الخير الذي يتحقق بهذا الجهر مبررا له ; ويكون تحقيق العدل والنصفة هو الهدف لا مطلق التشهير ,

 إن الإسلام يحمي سمعة الناس ما لم يظلموا , فإذا ظلموا لم يستحقوا هذه الحماية ; وأذن للمظلوم أن يجهر بكلمة السوء في ظالمه ; وكان هذا هو الاستثناء الوحيد من كف الألسنة عن كلمة السوء ,

وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم , وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشا للحياء النفسي والاجتماعي ,

- ويعقب السياق القرآني على ذلك البيان هذا التعقيب الموحي :

(وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًاليربط الأمر في النهاية بالله بعد ما ربطه في البداية بحب الله وكرهه (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ,

وليشعر القلب البشري أن مرد تقدير النية والباعث وتقدير القول والاتهام لله السميع لما يقال , العليم بما وراءه مما تنطوي عليه الصدور ,

 ثم لا يقف السياق القرآني عند الحد السلبي في النهي عن الجهر بالسوء ; إنما يوجه إلى الخير الإيجابي عامة ; ويوجه إلى العفو عن السوء ; ويلوح بصفة الله سبحانه في العفو وهو قادر على الأخذ ليتخلق المؤمنون بأخلاق الله سبحانه فيما يملكون وما يستطيعون (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)

- وهكذا يرتفع المنهج التربوي بالنفس المؤمنة والجماعة المسلمة درجة أخرى :

 ففي أول درجة :

يحدثهم عن كراهة الله سبحانه للجهر بالسوء , ويرخص لمن وقع عليه الظلم أن ينتصف أو يطلب النصف بالجهر بالسوء فيمن ظلمه ومما وقع عليه من الظلم ,

وفي الدرجة الثانية :

يرتفع بهم جيمعا إلى فعل الخير ; ويرتفع بالنفس التي ظلمت وهي تملك أن تنتصف من الظلم بالجهر أن تعفو وتصفح عن مقدرة , فلا عفو بغير مقدرة , فيرتفع على الرغبة في الانتصاف إلى الرغبة في السماحة ; وهي أرفع وأصفى ,

عندئذ يشيع الخير في المجتمع المسلم إذا أبدوه , ويؤدي دوره في تربية النفوس وتزكيتها إذا أخفوه ,

 فالخير طيب في السر , طيب في العلن , وعندئذ يشيع العفو بين الناس , فلا يكون للجهر بالسوء مجال ,

على أن يكون عفو القادر الذي يصدر عن سماحة النفس لا عن مذلة العجز ;

وعلى أن يكون تخلقا بأخلاق الله الذي يقدر ويعفو ( فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)

(وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) – فصلت 34-

وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

اخر ثلاثة مواضيع تم إضافتها لهذا القسم

الداعية بين اللين والشدة

على الداعية إلى الله أن يعرف بوضوح أن رسالته التي يحملها إلى الناس، هي رسالة رحمة، كما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، وحين يستوعب الداعية ذلك، يتعمق في نفسه الإحساس بالتيسير على الناس والرفق بهم، فالله

غربة سادس أركان الإسلام في مجتمعاتنا

نعم... من العلماء من اعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سادس أركان دين الله الخاتم أهمية , نظرا لمكانة هذه الشعيرة العظيمة في الإسلام , ويكفي أن الله تعالى جعل خيرية هذه الأمة منوط بتحققها بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَ

الداعية وخدمة الناس

الداعية لا يستقيم له حال، أو تنجح له دعوة إذا كان بمعزلٍ عن المجتمع، وإذا كان الإنسان مدنيًّا بالطبع - أي: لا بدَّ له من الاجتماع - فإن الداعية يجب أن يكون ألصقَ الناس بهذه الطبيعة، يغشى الناسَ ويخالطهم، ويصبر على ما يكون منهم. وتتعدد أساليب الدعوة إلى الله، وتختلف باختلاف الم