خطط لحياتك

التاريخ: الأربعاء 6 إبريل 2016 الساعة 07:47:57 مساءً
خطط لحياتك


 

إن أعظم اختلاف بين أولئك الإيجابيين وغيرهم من الناس، أنهم لا يعيشون حياتهم سدى ولا يتصورون أن يعبروا جسر الحياة عبثاً بلا طائل ولا غاية، ولذلك يفحمون أنفسهم ويجهدون ذواتهم؛ لفهم سر الحياة، وسبر مكنونها لمعرفة الغاية التي أوجدت لها، والنهاية التي تسير إليها، فيمضون في الحياة وفقاً لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان حقاً بكرامته وإنسانيته وما سخر من أجله على وجه البسيطة .

إن العلامة الفارقة في حياة كل إنسان هي تلك النظرة الثاقبة للحياة، فمن كانت رؤيته للحياة كونها عبثاً وسدى فلا يعدو أن يكون من سقط المتاع وعالة على أمته ومجتمعه، ولكن أولئك الناظرين إلى الحياة من زاوية أخرى يدركون تماماً سر وجودهم، هم فقط من تفسح لهم الدنيا الطريق؛ ليمضوا محفوفين بالإعجاب والحفاوة والدعاء .

إنهم الإيجابيون !!

وبقدر ما يملك المرء من عمق في نظرته إلى الحياة تكون قيمة أثره، وجدوى ما يخلفه للدنيا من بعده، أما السطحيون الذين لا تتجاوز نظرتهم غير ما يملأ بطونهم، ويشبع كروشهم تنتهي قيمتهم عند ما يتبقى من فضول هذا الطعام، ويفيض عن حاجة الجسم .

لكن أصحاب الهمم العظيمة، والرؤى الجسيمة الذين يتحدثون بلغة المشاريع، وينتجون لنا السلع التي تستحق أن تلفت الأنظار، وينجبون بحراك عقولهم ومخاض مداركهم إنجازات يشع ضياؤها، فيملأ الدنيا سنا وإشراقاً.

تصفق لهم الأيدي حبوراً وحفاوة، وتنحني لهم الرؤوس تقديراً وإجلالاً، وتمد لهم الأكف عناقاً ومكافأة، ونبعث لهم كلمات الشكر مزجاة تأييداً وتحميداً، لا حرمنا الله أمثالهم ممن تشتاق لهم الحياة، وتشرئب لهم النفوس، وتتعطش لهم الدنيا حدّ الرمق دون الهلاك؛ لأنهم نادرون، والندرة دلالة القيمة الحقيقية التي يملكونها، قليلون؛ لأن العظمة لا تتكرر كثيراً، عزيزون على الوجود؛ لأن الجميع يستوقفهم ويستروي إمكاناتهم .

{ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ * وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } البقرة 200 – 202 .

انظر إلى الفهم القاصر لمن طلب الدنيا، وأرادها؛ كيف به قد فقد حصته من الآخرة وهي دار القرار والاستمرار، وأضاع فرصته – رغم ضيقها وانعدامها – من النجاة في دار تهول أحداثها، وتعظم خطوبها .

على خلاف أولئك الذين اتضحت في مخيلاتهم الأهداف، وضربوا الجوائز بحجر واحد، والتقطوا من كل فرصة جنيها ولبّها، ففازوا بنعيم الدارين وحظهم من الاثنين. لقد كان لوسع همتهم وفرط بصرهم الحاذق دور في تأكيد استحقاقهم بالفوز دنيا وأخرى .

وأقر الله ذلك لهم، وبشرهم به، وكأنه يومئ لنا في آياته السابقة عن دور وضوح الهدف، والسعي لفهم النواميس وراء كل فرصة وحين.

إن الذين يغلقون أعينهم عن الفرص المتاحة، فلا يبادرونها، ويحولونها إلى مشاريع ثمينة، تأنف منهم الحياة، وتعلن استغناءها عنهم، وأولئك الذين يصمون آذانهم، ويضعون أصابعهم فيها حتى لا ينصتوا لنداء الدنيا إلى الجد والعمل ليس بمقدورهم أن يخلّفوا أثراً، وينجزوا مشروعاً؛ لأنهم قاصرو النظر قليلو المعرفة بالدنيا، يضنّون بأنفسهم أن تأخذ موقعاً ريادياً من الحياة، وحظاً فذاً من الإيجابية.

وضوح الطريق أمام السائر في الحياة يعني لا شك الوصول إلى النهاية المطلوبة، بخلاف ذلك الذي يسير في الحياة دون هدف، فهو أضل من التائه في فلاة مقطوعة، وأشد حيرة من الغارق في لجج الماء، وأنكل ضياعاً من المجنون الذي يهيم على وجهه ويهذي في حديثه .

جلاء الطريق أمام المرء في حياته يعني المسير بثبات لا ينقطع، وهمة لا تفنى، وتوخي الحيطة واليقظة طوال مسيره، على النقيض من ذلك الذي تنكب الطريق، وأضاع الدليل، وفقد المرشد إلى غايته ونهايته .

إنه الهدف، لغة حبيبة إلى النفوس؛ تستدعيها الفطر السليمة، وتطير إليها الهمم العظيمة؛ لأنها تعني أن تكون الحياة ذات غاية سامية، ورسالة نبيلة، ورفعة لا مهانة فيها، وكرامة لا مذلة بعدها ولا سفول.

الله! ما أجمل أولئك الذي يضعون لأنفسهم أهدافاً عظيمة! وهل الإيجابيون إلا أصحاب الأهداف الذين يسعون لتحقيقها، ويجهدون للوصول إليها، فتأخذ من أنفاسهم كلها، ومن أوقاتهم جلّها، ومن طاقاتهم أجودها، ومن إمكاناتهم أنفعها.

إن اللحظة التي تصنع فيها هدفاً لحياتك، تعني انطلاقة جديدة لحياتك برمتها، وتحويراً لمعظم عمرك نحو التأثير في الحياة وصناعة المشروع العمري الذي تشكر عليه، وتذكر به، ويبقى اسمك يطير عالياً في سماء الإيجابيين وفضاء الناجحين .

ناهيك عن عظم الهدف وقيمته؛ فبهِ تزداد أهميتك ووزنك؛ لأنه يعبر عن هويتك، ويرسم ملامح حياتك؛ إن كانت فاضلة عزيزة، أم سافلة مهينة.

ولنستدعِ هنا من أخذ بجوامع الكلم، ويكفي بحديثه عن الإطالة، قال النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - : " من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" صحيح الجامع.

ربما تكون نشيطاً فاعلاً عاملاً ناصباً لكن في غير ما يرضي الله – عز وجل – وفي سوى ما تحتاج إليه الحياة، فيذهب جهدك دون أدنى فائدة، ولا أقل عائدة، عليك أن ترفع من مستوى قيمة هدفك، ولتكن ذكياً فطناً، ولا تبع الآجلة بالعاجلة، ولا الباقية بالفانية، وإلا وقعت في شراك الأهداف الوضيعة، والعروض المزيّفة من الأعمال والسلع المقلدة من المشاريع. إنها تستغرق وقتك، وتستنزف جهدك، وتودي بطاقاتك دونما أدنى خير يعود عليك، ونفع يلحق بك.

إن الذين يجعلون حياتهم نذراً للأهداف العظيمة، ووقفاً من أجل المشاريع الكبرى؛ التي تبني الأمة، وتقودها نحو موقع صحيح تطمئن إليه، أولئك الرجال الذين صُنعوا في مصانع ذات جودة عالية، وتستخدم خامات أصيلة.

إنهم لا يتصلون إلا بالمطالب العليا، والغايات النبيلة، والأهداف الرفيعة، إنهم يتحدثون بلغة العظمة، ويُتداول عملهم وقولهم في سماء عليا، لا ترتضي بالدون ولا سفاسف الأمور وصغائرها { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } الفتح 10 .

إن الذين ينفقون أعمارهم في سبيل الأهداف القاصرة التي لا تتجاوز منابت شعرهم، ولا تستهلك إلا النزر القليل من طاقاتهم وجهودهم، ولا يكلفون أنفسهم مؤونة المشاريع العظيمة التي لا يقوى عليها إلا الكبار، ستنتهي بهم الحياة إلى الفراغ .

إن قطار الإيجابية يمر سريعاً على مثل أولئك الذين تقاصرت أنفسهم دون الأهداف النبيلة والغايات السامية، وإن الدنيا تلفظ ما قدموا من أعمال غير بناءة في مزبلة النسيان – أعزكم الله – ومقبرة الأموات، أولئك الذين يسيرون على وجه الأرض، ويعبرون قبل أن تسلب الأرواح من أجسادهم .

يفوتهم قطار الإيجابية، وعمرهم يتصرّم أمام أعينهم دون أن يستنهضهم ذلك المشهد؛ لتدارك ما تبقى من أعمارهم، واللحاق بما يجب أن تكون عليه أنفسهم من تميز وروعة.

ومشتت العزمات ينفق عمره *** حيران لا ظفر ولا إخفاق

قال ابن القيم: " فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة ، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة وإنما يتخالفون في جهة السير وفي السرعة والبطء { إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيراً لِّلْبَشَرِ * لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } المدثر 37 ، ولم يذكر واقفاً " .

كيف تصنع هدفك ؟

هذا السؤال الذي يتلو شعورك بقيمة الأهداف في حياتك، وهذا ما يتبادر إلى ذهنك حال يقينك أن الدنيا باهتة دون هدف، ضائعة دون مرمى تسدد إليه خطواتك ونشاطاتك.

إن الهدف النافع المجدي يجب أن يستوفي عدة شروط؛ لضمان نجاحه، والحصول على ثمرته، وتلقّي نفعه .

إمكاناتك: " اكتشف ما تحب " هذه القاعدة التي ستلهب عندك الإبداع وتستثير الطاقة، إن الجانب الذي تشعر بالميل إليه والرغبة الجامحة في العمل ذلك ما يؤمن لك تحقيق ذاتك، وصناعة إنجازاتك.

لا تستثقل الأمر كثيراً؛ فانخراطك في الأعمال، واطلاعك الواسع، وعلاقاتك المتشعبة، وتجاربك المتعددة، واختياراتك الملونة ستنبيك يوماً بما تحب، ذلك إذاً هو الخيط الأول من مسيرة هدفك ووضع أسسه.

تطلعاتك : عليك أن تكون واسع الأفق، نافذ البصيرة، مرناً في وضع خطوط هدفك وحدوده، وذلك لا يتأتى بغير ما أشرت إليه سابقاً في إمكاناتك .

إن الأحلام الطائرة والتخيلات المجنحة ربما تنتهي إلى مشروع إبداعي ابتكاري تدهش له العقول، وتشغف به النفوس، عليك فقط أن ترفع قدمك من سراب الأماني والأحلام إلى أرض الجد والمثابرة والتحقيق.

إن الفاصل الوحيد بين أن تكون إيجابياً جاداً، وبين أن تكون هازلاً غير نافع هو :

احتياجاتك: حاول أن تعمل بمبدأ " التخصص " الذي ينقلك إلى إجادة فنك وإتقان صنعتك، حاول أن تزود بكل الملكات والأدوات والمهارات التي تخدمك في مجالك.

لا تقف عند حد معين؛ فتقتل في موهبتك وملكتك أوارها وتطويرها إلى الأفضل، اقرأ واستشر وابحث وتزود وطالع وخالط وتعرف وجرّب وحاول ... وستكون إيجابياً فاعلاً وصاحب مشاريع عظيمة؛ تحيا بها النفوس، وتطير فرحاً وبهجة لها.

التركيز على الصراط المستقيم للانتصار على المشتتات الذهني

اختتمنا مقالة الأمس بطرح السؤال التالي: كيف نتعلم التغلب على المشتتات وتصويب حركاتنا نحو غاياتنا وأهدافنا؟ والحقيقة أن المقال نفسه تضمن جوهر الإجابة بالتأكيد على أهمية التركيز على الصراط المستقيم. فالتركيز على خط السير أكثر أهمية من الناحية العملية من التركيز على الهدف النهائي.

أهمية تنمية مهارة التركيز (واقصد في مشيك)

الحاجة إلى مهارة التركيز حاجة ماسة لأنها تعني قدرتنا على التحكم والسيطرة على تفكيرنا وتوجيه التفكير والجهد نحو أهداف نختارها بدقة حسب أولوياتنا والنجاح في تحقيق الأهداف. وتزداد أهمية الحاجة إلى مهارة التركيز في عصرنا الراهن مع كثرة المشتتات الذهنية التي تستهلك الوقت والطاقة وتع

تعلم فن التهوين

تعلم كيف تنسى ما مضى من الآلام, لا تقبل أن تكون آلة حزن وتنديد, أنا شخصيًا كنت شديد الحساسية, ربما تألمت يومين لحادثة أحرجتني أمام الناس, كما كنت شديد الحرج كذلك من كل صغيرة وكبيرة, الأمر الذي أوقعني في كثير من المشاعر السلبية. إن التهوين يقضي على مشاعرنا السلبية تجاه الماضي,