الإيمان وليس العقيدة

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 13 مارس 2016 الساعة 08:11:46 مساءً
الإيمان وليس العقيدة


تقول القصة الهندية إن رجلا روحانيا كان محاطا دوما في معتزله بالأتباع المخلصين، وكان وأتباعه يمضون ساعات كل يوم في التأمل، لكن كان ثمة مشكلة، فلدى هذا الرجل قطة صغيرة تتجول وتموء في المعبد فتزعج المتأملين، فأمر الرجل بحكمته العملية تقييد القطة إلى عمود في الخارج في أثناء جلسة التأمل فقط، لكي لا تزعج أحدا، فتحول الأمر إلى عادة: تقييد القطة ومن ثم التأمل. ولكن، مع مرور السنوات تحجرت العادة وتحولت إلى طقس ديني. فلم يعد بإمكان أحد أن يتأمل من دون ربط القطة إلى العمود أولا. في أحد الأيام ماتت القطة فأصيب الأتباع بالذعر: كيف لهم أن يمارسوا التأمل الآن من دون قطة يربطونها إلى العمود؟!

فرحت باكتشاف هذه القصة من التراث الإنساني، فهي تلخص معنى طالما حاولت شرحه، إنها مشكلة الأمم والجماعات والأديان عبر التاريخ: خبو الروح وجمود الصورة، والعجز عن التجدد الروحي والفكري بما يلائم مستجدات العصر ويقدم حلولا خلاقة للتحديات المعاصرة، وقصور همة الأتباع عن تمثل روح المجددين واكتفاؤهم بسهولة التقليد وحرفية الفهم بما يمثل خيانة للرسالات من أتباعها وإماتة لحيويتها.

في الحالة الإسلامية، فإن مشكلة الجماعات المتطرفة ليست مشكلة إخلاص بالدرجة الأولى، فالذين يتسابقون إلى الموت لا يمكن التشكيك في مدى تفانيهم في سبيل قضيتهم، المشكلة هنا في حرفية استحضار النصوص منتزعة من روحها ومقتطعة من سياقاتها التاريخية ومقاصدها الكلية وإسقاطها على واقع مختلف الحيثيات، إن ما يفعله أهل الفكر المتطرف هو أنهم يلتقطون صورة فوتوغرافية للنسخة التطبيقية الأولى من الدين ثم يعكفون عليها دون مراعاة أن الحياة الواقعية في تجدد دائم، وأن الكائن الحي لا يظل ثابت الملامح مثل الصورة الفوتوغرافية بل تطرأ عليه تحولات في كل يوم.

تناقشت مع أحد الأصدقاء في مروية منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "جئتكم بالذبح"، وقال لي: هل هي رواية ضعيفة؟ قلت له: لست خبيرا في السند، وعموما لا أميل إلى التوسع في رد الأحاديث، لأني أرى مدخلا أكثر حكمة وهو مراعاة أن الأحاديث كانت تعالج أحداثا موضعية وليس بالضرورة أن كل الأحاديث تطلق أحكاما عامة مطلقة، وليس من العدل أن تحاكم دينا أو شخصا إلى موقف واحد منتزع السياق ومبتور من الصورة الكلية، فإذا علمنا أن الموقف كان موقفا حربيا، وأن من وجه إليهم هذا الكلام قد نقضوا الميثاق في لحظة حرجة كادت تجتث وجود المسلمين في المدينة من جذوره، وأن النبي كان في موضع قيادة سياسية تقتضي الحزم في وسط قبائلي يموج بالقلاقل، إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه العوامل وغيرها تصبح دلالة الكلمة مختلفة فيما لو تناولنا في سياق إطلاقي، وليس من العدل تضخيم هذه الكلمة ونسيان المبادئ الأساسية العامة، ماذا لو تعرضت ألمانيا، بلد الحريات واللجوء السياسي، إلى هجوم إرهابي على غرار الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر لا قدر الله؟ هل ستخرج المستشارة الألمانية لتتحدث عن التعايش والتسامح أم ستعلن رزمة من الإجراءات الأمنية وحالة الطوارئ المشددة؟ ليس من حقنا أن نلومها باتخاذ إجراءات صارمة في مواجهة أوضاع غير طبيعية، وليس من حق أحد أن يأتي بعد ألف سنة ليحاكم ألمانيا كيف تصرفت في مواجهة لحظة غير طبيعية من تاريخها ثم يقول لنا: انظروا، هذه هي حقيقة ألمانيا. إن العدل لا يمكن فهمه إلا في ضوء الرؤية الشاملة، لذلك لا يعنيني كثيرا من حيث المبدأ أن تصح أو تبطل هذه المرويات، ولا ينبغي أن نتوقف كثيرا في نقاشها، بل علينا أن نبحث عن الخطوط العامة والروح الكامنة في نصوص القرآن وأحداث السيرة.

الجدل محله العقل وليس الروح، والإيمان في جوهره معايشة قلبية وليس إدراكا ذهنيا، لذلك، فإن من يعايش حالة الإيمان يكون مطمئنا وتتقلص في داخله حالة الجدل والصراع والمشاكسة والأسئلة التفصيلية، إن صاحبنا الروحاني الهندي اقترح حل ربط القطة بعفوية كإجراء عملي أملته ظروف اللحظة دون أن يفكر كثيرا في تعقيدات مفترضة لهذه المسألة، فهو يعيش حالة روحانية لم تبق لديه مساحة للانشغال بسفاسف الأمور، لكن الأتباع الذين لم يتذوقوا الشعور الروحي ذاته الذي تذوقه معلمهم عجزوا عن الإبصار الكلي وتاهوا عن الطريق فتمزقت نفوسهم بالجدال في التفاصيل الصغيرة التي لم تكن يوما هي مقصد الإيمان، وكل من تحلى بالشعور الروحي ذاته الذي تحلى به المعلم كان سيعلم ببساطة أن للمعلم حياته الروحية الخاصة به، وأن لكل إنسان من بعده حياته الروحية التي يستطيع أن يعايشها بنفسه، ويبصر بنورها خطوات طريقه، ويعلم في كل لحظة ما الذي ينبغي فعله وما الذي لا ينبغي فعله.

ما تقوم به النصوص هو مساعدة الإنسان في اكتشاف عالمه الداخلي: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها"، لكن الإيمان في جوهره حالة روحية داخلية وليس نصوصا خارجية، لذلك، فإن من يتعامل مع الدين بأنه مباحث نظرية أو دراسات أكاديمية فإنه يشقى، والعجوز التي تعيش حالة الإيمان بعفويتها الفطرية هي أقدر على التفريق بين الخير والشر من أكاديمي يحمل معارف وشهادات كثيرة في علوم الدين لكنه لم يعش يوما الشعور الروحي، إن العجوز قد تدعو ببساطة متضرعة من قلبها ألا يفجع الله قلب أم بولدها، لكن متدينا متعجرفا قد يرد عليها بجفاف: إن هناك مقيدات شرعية يجب الالتزام بها إذ لا يجوز الدعاء لأم كافرة، ثم يمشي مرحا وهو يحسب أنه يحسن صنعا وأنه أوتي من الفهم والفطنة ما لم يؤته البسطاء من الناس، ليس من الغريب أن يدعو أحد العلماء أن يؤتيه الله إيمانا كإيمان العجائز، إذ إن العبرة بحيوية الإيمان وروحيته.

سألتني إحدى الأخوات أن أزكي لها عناوين كتب في مسائل العقيدة، فقلت لها: نصيحتي لك إن أردت إيمانا حيا أن تستمعي إلى نداء قلبك، وأن تخوضي رحلة تأملية خاصة على غرار رحلة إبراهيم وهو يرى ملكوت السماوات والأرض، إن الإيمان ليس شروحا أكاديمية جافة بل هو شعور يغمر قلب الإنسان مثل الحب فيطلقه من آصاره وأغلاله ويذيقه لذة الرضا والسلام.

التعامل مع الإيمان بأنه روح ينتج نسخا لا نهائية من التطبيقات العملية المرنة والفعالة في مواجهة مشكلات الواقع، لأن المؤمن الذي وصل إلى حالة طمأنينة القلب قد تحرر من النزاعات الداخلية على غرار مرض بني إسرائيل في السؤال عن لون البقرة وشكلها، فهو يبصر الحكمة الكامنة وراء النصوص، وحين تواجهه مشكلة مستجدة في الواقع لا يتشنج إزاءها بل يستحضر بتلقائية وعفوية الروح التي يمنحها الإيمان له فيقدم علاجا آنيا فعالا، أما التعامل مع الدين بأنه عقيدة جامدة احتوت على الحلول الكاملة والنهائية لمرة واحدة فقط ثم أغلق باب الاجتهاد فإنه يربك الأتباع أمام كل مسألة مستجدة ويدفعهم إلى تبديد طاقتهم الفكرية في الغوص في بطون كتب القدماء بحثا عن إجابات جاهزة، وما هو أخطر من ضياع الطاقات الفكرية هو أن هذه الطريقة تضيع معنى الإيمان الذي هو استجابة حيوية وشعور داخلي معاصر وليس تراثا كتبه الآباء والأجداد. الإيمان حالة متجددة متعالية على الزمان ففي كل لحظة يعيشها المرء يستطيع تجديد روحه بالإنصات إلى نداء الله الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد دون وساطات وتعقيدات.

إن أكثر البشر على مر الزمان قد عبدوا الأصنام فآثروا التقليد والاستقرار لأنه أيسر كلفة من حياة التجدد والتجاوز التي يقتضيها الإيمان، لذلك فإن أتباع الأنبياء والمصلحين هم الذين يخونون رسالات أئمتهم عبر إماتة الروح التي جاؤوا بها وتحويل مبادئهم إلى عقائد جامدة وطقوس ميتة لا يظهر لها أثر في الحياة.

منهج التثبت: خلق الأسوياء ومنهج الأنبياء

عندما أخبر الهدهد نبي الله سليمان عليه السلام أنه جاءه من سبأ بنبأ يقين، كان الموقف الحكيم الذي اتخذه سليمان هو الالتزام بالمنهج العلمي في التعامل مع الأخبار؛ باختبارها والتثبت من صدقها من مصادر أخرى وإخضاعها للنظر والتأمل و التحليل المنطقي "قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ ك

التدين الرقمي ومشيخة التقنية!

مع ظهور ثورة التكنولوجيا الرّقميّة، التي صاحبها ثورة معرفيّة وثقافيّة ضخمة؛ أصبح الإنترنت بتطبيقاته الهائلة وإمكاناته الّلامتناهية، وبخدماته التي تتميز بالسرعة والدّقة وسِعة التخزين العالية؛ جزءاً لا يتجزأ من مكون مجتمعاتنا المعاصرة، حيث بسط نفوذَه وسلطَته على جميع مناحي الحياة،

تجديد الخطاب الدعوي في عصر الثورة الصناعية الرابعة

تحدثنا في مقال سابق عن الحاجة إلى تجديد روح التدين ونؤكد اليوم أن الحاجة إلى تجديد روح التدين تستلزم تجديد الخطاب الدعوي فما أحوجنا اليوم إلى خطاب دعوي جديد يستوعب المتغيرات العاصفة التي يعيشها هذه الجيل بعد الثورة الرقمية والثورة الصناعية الثالثة ويستشرف آفاق الثورة الصناعية الر