بوصلة المسلم

التاريخ: الإثنين 27 يناير 2014 الساعة 12:00:00 صباحاً
بوصلة المسلم

علي بادحدح

الخطبة الأولى:

معاشر المؤمنين..

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

إخوة الإيمان..

ما من شك أننا نرى أموراً كثيرةً فيها اضطراب، فالدماء نازفة والأقوال والآراء متضاربة وهناك كثير من الأحوال غير مستقيمة، مما يجعل المرء المسلم في حيرة من أمره، ومن هنا فإنه يحتاج إلى القيادة الرشيدة، إلى بوصلة تحدد له الاتجاه وتجعل له الاستقرار، وكلنا يعرف البوصلة إذا حركناها ووصلت إلى النقطة الصحيحة فإنها تستقر وتحدد الاتجاه الصحيح، فإذا ذهبت يمنة ويسرة اضطربت ولم يعد لها ذلك النفع في تحديد الاتجاه، نحن في حاجة إلى هذه البوصلة التي بفضلٍ من الله جل وعلا أكرمنا بها وجعلها بين أيدينا وأخبرنا بها رسولنا صلى الله عليه وسلم في أمور وأحاديث وأحوال أخبر بها مما لم يقع في زمانه فكأن كل شيء بين يدينا بحمد الله تعالى.

وأول ذلك: الاعتصام والتمسك:

{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران: 103)، والحق سبحانه وتعالى بيّن لنا ذلك بجلاء ووضوح: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (الشورى: 10)، وقال جل وعلا: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء: 59)، وإذا ذهبنا نتلمس ذلك فإننا سنجد أيضاً هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم في جوامع الكلم وفي دلالات واضحة مباشرة، يقول: "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه" (رواه الحاكم بسند صحيح)، وهذا كله معلوم لكنه أقوال ربما تفتقر إلى كثير من الالتزام الحق.

ومن هنا فإننا نؤكد هذا المعنى بآثاره وبدلالاته ومن أعظمها أنّ كل ما نحتاجه موجود في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فالحق جل وعلا قال: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (الأنعام: 38)، وقال عن وصف القرآن: {تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (النحل: 89)، فما من أمر إلا وفيه أصله أو قاعدته أو دلالته التي بها نهتدي ونسترشد بحمد الله، وفي هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يعد النموذج الأمثل لفهم وتطبيق هذا القرآن العظيم، كل أمر من صغير وكبير وجليل وخطير فإننا نجد فيه هذه المعالم الراشدة وتلك الكليات الجامعة التي نفتقر إليها ونحتاج لها دائماً وأبداً، وذلك كله مقطوع بعصمته لأنه وحي من الله، لا يتطرق إليه أدنى شك ولا يخالطه أي خطأ ولو كان يسيراً: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} (البقرة: 2)، أي: مطلقاً لا في خبره ولا في حكمه ولا في توجيهه ولا في مخاطبته للعقل ولا في تأثيره على النفس بل هو المحكم الكامل الصائب بلا أدنى شك، وانظر إلى الآثار إن أخذنا بذلك: {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (آل عمران: 101).

خذ بذلك لا أقول على سبيل التجربة بل على سبيل اليقين، وانظر إلى الأثر الذي يفيض على قلبك طمأنينة وفي نفسك سكينة وعلى عقلك رشداً وفي حالك استقراراً، لأن هذا من الآثار اليقينية للصلة بكتاب الله والاهتداء بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ابن شريح يخبرنا في الحديث الذي رواه ابن حبان بسند صحيح قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أبشروا، أبشروا، ألستم تؤمنون بالله، وتؤمنون بأني رسول الله؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبداً"، فهذا الأمر المهم.

ولو أخذنا نماذج تطبيقية من حياة الرعيل الأول الذين تشربوا هذا القرآن فجرى مع دمائهم في عروقهم وأيقنوا به أكثر من كل حقيقة ملموسة مادية، رأينا كيف كان هذا الامتثال الأعظم، حتى كان أحدهم يقول: اتهموا رأيكم، ولعلي أشير إلى أمور في قصص أو أحاديث فيها أمورا عارضة وأخرى فيها أمور قد نراها جليلة أو كبيرة، من الأمور العارضة ما ورد فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وأخبره عن أن بطن أخيه تطلق (أي: فيها إسهال) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسقه عسلاً" فلما سقاه العسل زاد ذلك، فقال: يا رسول الله زاد، قال: "اسقه عسلاً" فزاد (لأن هذا طبيعة حتى ينظف ما في بطنه ثم يصل إلى الشفاء) فلما رأى الحال في آخر الأمر إلى ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب بطن أخيك وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم"، لابد أن يكون اليقين بهذا كاملاً جازماً.

وفي الحديث الذي رواه علي في الصحيح أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من الأنصار على سرية وأمر أن يسمعوا له ويطيعوا، فلما كانوا في سفرهم فعلوا شيئاً فأغضبوه، فقال: قوموا فاجمعوا حطباً، فجمعوا الحطب، قال: أوقدوا ناراً، فأوقدوا النار، قال: أوليس قد قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوا في النار، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فهدأ غضبه ثم ترك ذلك، فلما رجعوا وأُخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو دخلوها ما خرجوا منها"، هنا أمر واضح بين أن يسمعوا له ويطيعوا لكنهم علموا أن الأمر الذي يكون مخالفاً لكتاب الله ولسنة رسول الله، أو يكون أمراً بمعصية وليس في معروف فإنه لا يستجاب له، وهذا من العصمة الهادية ومن الحكمة الراشدة ومن اتقاء مواطن الزلل عندما يرجع الإنسان إلى المحكم الذي ليس فيه تغيير والكمال الذي ليس فيه نقص، والأمر في هذا كثير جداً حتى بلغ بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا مبلغاً ربما يراه البعض أنه مبالغة، لكنهم كانوا يرونه استجابة كاملة لابد منها.

وفي ذلك آثار منها ما أثر عن علي رضي الله عنه وهو في الصحيح أيضاً لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي في يوم خيبر، قال: "امض لما أمرك الله ولا تلتفت"، فلما سار كان عنده شيء يريد أن يسأل عنه النبي فتوقف ليسأل، لكنه لم يلتفت لأن النبي قال: "لا تلتفت"، فسأل بصوت عال دون أن يلتفت، وإن كان المراد في الظاهر أنه ليس المقصود الالتفات لكنه الالتزام التام، وهذا الذي فعله كذلك ثابت بن قيس خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2)، فاعتزل مجلس النبي، فلما قيل له في ذلك قال: "إني امرؤ جهوري الصوت، أخشى إن تحدثت أن يعلو صوتي على صوت النبي فأهلك"، هكذا كان الأمر عندهم على تمام الاقتداء والامتثال والرجوع، ولذلك كانت تكفي الكلمة أو الآية من كتاب الله لترد أحدهم عن أمر كان قد عزم عليه، لأن هذه المرجعية عليا مطلقة شاملة في كل شيء وعلى كل أحد، فالكتاب والسنة حاكمان على كل أحد وكل مسلم يخضع لهما من حاكم ومحكوم ومن قوي وضعيف ومن أمير وحقير فذلك أمر مضطرد.

والمعلم الثاني: الاقتداء والتأسي:

بالرعيل الأول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رضوان الله عليهم أجمعين، وسلف هذه الأمة من التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال أبو هريرة: لا أدري أذكر قرنين أو ثلاثة؟ وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم سبقها وفي كتاب الله ثابت ذلك في قوله جل وعلا: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} (التوبة: 100)، وقال جل وعلا: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (الفتح: 18)، كل ذلك معلوم.

هؤلاء الذين مرت بهم في ظروف حياتهم كل القضايا التي تمر في حياة الأمم والمجتمعات، كانوا في سلم وحرب، وكانوا في فتن داخلية وخارجية، ومرت بهم أحوال اجتماعية وأخرى دولية فتقلبت كل حياة الناس حتى يكون في ذلك معالم اهتداء راشدة بدءاً من أبي بكر رضي الله عنه يوم قال قولته المشهورة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"، هنا معالم الرشد التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر بالتمسك بسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده رضوان  الله عليهم، أولئك الصحابة اختارهم الله فنصروا رسول الله ونشروا دين الله، وبلغوا كلمة الله سبحانه وتعالى، وهذا ابن مسعود يقولها كلمات في غاية الروعة والحكمة والدقة في الوصف والبيان والعلم: "من كان منكم متأسياً فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا أبرّ هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً وأقومها هديا وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".

والإمام الشافعي رحمه الله في مقولة ضافية له يقول جملة في غاية الروعة والعلم والإحكام أيضاً: "وهم –أي الصحابة- فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل، وآراؤهم أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا"، لأن أولئك قوم زكاهم الله وطهر قلوبهم وسعدوا بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقهوا الدين منه وعاشوا معه الأحوال كلها فلا شك أنهم أبصر بالحق وأقرب إليه وأرشد في أحوالهم وأقوالهم إلى مواطن الصواب، ومن ثم فإن هذه الكوكبة من سلف الأمة من الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة معالم اهتداء عند كل فتنة وعند كل محنة وعند اضطراب الآراء وعند تحكّم الأهواء، فكل ذلك مما يفيء الله به علينا ويخصنا به من بين سائر الأمم التي ليس لها مثل ما لنا من هذا الإرث العظيم الذي فيه ما يشمل جوانب الحياة المختلفة.

والمعلم الثالث: الالتجاء والتعبد:

فنحن عندما تضطرب الأحوال نلجأ إلى الله: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (الذاريات: 50)، وهذا الالتجاء على وجه التحديد في أوقات الفتن والاضطرابات قد وردت به سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو يرشدنا ويبيّن لنا ما علم بنبوته وما أوحى به الله عز وجل إليه مما يأتي بعده في مستقبل الزمان، فإذا به يقول عليه الصلاة والسلام: "العبادة في الهرج كهجرة إليّ" (رواه مسلم في صحيحه).

والهرج وارد بمعنى القتل، وهنا كما قال النووي: "هو اختلاط الأمور والفتنة واضطراب الناس"، لماذا كهجرة إليّ؟ كأنما تركت كل شيء وتوجهت إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كأنما تركت كل تلك الأحوال التي قد تزيغ القلب وتضل العقل ولجأت إلى الله تفضي إليه بهمك وتسجد بين يديه وتدعوه وتبتهل إليه فيحصل لك أثر العبادة، لأن من آثار العبادة الاهتداء والاستقامة والوصول إلى الحق لأنها تبث التقوى في القلب وتعيد إلى النفس الصلة القوية بالله جل وعلا: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} (البقرة: 282)، {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (الأنفال: 29).

وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "استفت قلبك"، هذا القلب إذا رجع إلى الله أشرق بالإيمان، إذا رجع إلى الله مُلئ بالسكينة والاطمئنان، إذا رجع إلى الله كان على الهدي والبيان الحكيم والرشد والبصيرة بإذن الله، لابد أن نلجأ إلى الطاعة والعبادة وأن نكثر منها كلما اضطربت الأحوال، ولماذا أيضاً ذكر العلماء العلة الأخرى؟ لأن الناس في أوقات الفتن ينشغلون بها ويخوضون فيها ويحاربون أو يناقضون من أجلها، فلا يعود لهم التفات أو تخصيص لطاعة الله والالتجاء إليه، ويدخل في ذلك الالتجاء بمعنى الدعاء والتعوذ وأن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا من هذه الفتن ومن شرورها ومما يجري فيها من الزيغ والضلال والعياذ بالله، وقد ورد أيضاً في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن"، بل إن الاستغفار والتوبة من الأسباب التي تنجينا بإذن الله عز وجل وتقينا من هذه الاضطرابات كما قال الحق سبحانه وتعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 43)، لو تضرعوا لما مست قلوبهم الشياطين ولما زاغت بإذن الله عز وجل، لأن القلب الموصول بالله لا يكون كذلك، لا يكون قريباً إلى الزيغ ولا يكون مسايراً للهوى، بل يعود إلى الله عز وجل يستمسك بأمره وبكتابه ويعود إلى الله سبحانه وتعالى يسأله الهدى والرشد ويستعيذه من الزيغ والضلال نسأل الله عز وجل السلامة.

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة"، وهناك من يقول لك إن مثل هذا دروشة، كيف تقول للناس الجأوا إلى المساجد والجأوا إلى الصلوات؟ نعم، خذ بأسباب دفع الباطل أو نحو ذلك لكن قوام الأمر في الصلة بالله له الأثر الأعظم، وإلا فإن الأمور كما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فيها خطر عظيم، وقد أخبرنا عن الفتن بأحاديث كثيرة وأحوال عديدة ومن ذلك الحديث وهو بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال خصالاً ستاً: إمرة السفهاء وكثرة الشرط وقطيعة الرحم وبيع الحُكم واستخفافا بالدماء ونشئاً يتخذون القرآن مزامير يقدمون الرجل ليس بأفقههم ولا أعلمهم، ما يقدمونه إلا ليغنيهم" (أي ليطربهم بالقرآن ليس عندهم فقه ولا تدبر ولا أي شيء)، ولو نظرنا في هذه الأحوال التي أوجزها النبي صلى الله عليه وسلم والمعالم لرأيناها في واقعنا وفيما جدّ من أحوال أمتنا، نسأل الله عز وجل أن يقينا شرها وأن يمنع عنا ضرها، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرفع عن أمتنا كل ذلك بإذنه جل وعلا.

وهذا أيضاً علي بن أبي طالب يخبرنا حتى ننتبه كيف تكون الأمور وكيف قد يدخل فيها المرء وهو لا يدرك الخطر وهو يظن أحياناً أنه يحسن صنعاً، يقول في وصفه لهذه الفتن: "تبدأ مدارج خفية وتؤول إلى فظاعة جلية"، ولعمري أن كل جملة وكل نص مما ذكرناه كأنما يكبر لنا هذا الواقع أن ينقله نقلاً حياً مباشراً، "تبدأ مدارج خفية وتؤول إلى فظاعة جلية فتزيغ بها قلوب بعد استقامة وتضل رجال بعد سلامة، وتختلف الأهواء عند هجومها وتلتبس الآراء عند نجومها، من أشرف لها قصمته ومن سار فيها حطمته، تغيض فيها الحكمة وتنتطق فيها الظلمة فلا تكونوا أنصاب الفتن وأعلام البدع والزموا ما عُقد عليه حبل الجماعة وبنيت عليه أركان الطاعة".

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من الفتن وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، ويجعلنا بكتابه مستمسكين ولهدي نبيه صلى الله عليه وسلم متبعين.

الخطبة الثانية:

معاشر المؤمنين..

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

وإن هذه البوصلة المستمسكة بكتاب الله، المتأسية بسلف الأمة من صحابة رسول الله وأتباعهم إلى يوم الدين، الملتجئة إلى الله العابدة له تكمل هذه المنظومة بالاستمساك بالوحدة للأمة، والرجوع إلى أهل العلم فيها، وذلك كله محكوم بما سبق، وإذا جعلنا ما سبق أساساً فإننا نجد ما وراءه بيّناً واضحاً، ولو أردنا أن نتكلم فيما يتصل بواقعنا فإننا نجد هذه المعالم واضحة، كيف يمكن على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، أن أستجيب أو أن أستمع أو أن أؤيد أو أن أغتر بمن يسب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطعن في أمهات المؤمنين، كيف يستقيم هذا مع معالم الدين!؟.

كيف يمكن أن أؤيد ولو بشطر كلمة وأن ألتمس عذراً ولو على بعد ألف كيلو لمن يقتل مسلماً متعمداً قتلاً واضحاً بيّناً ليس فيه حكم ولا هو مترتب على شرع!؟، فلابد أن يقال أنه قاتل وأنه ظالم وإن كان والعياذ بالله مستحلا، فإن من استحل دم المسلم فهو كافر، فكل ذلك معالمه واضحة لا ينبغي أن تلتبس على المؤمن، وعندما نرى من ينصر الباطل ويعين عليه ويوالي أعداء الله عز وجل، فإن البصيرة في كتاب الله واضحة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} (المائدة: 51).

الأمور لابد أن نرجع فيها إلى هذه المعالم فلا تلتبس الأمور ولا تختلط، ونكون على عصمة من ربنا، {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} (الأنعام: 57)، وهنا لا تضطرب آراؤنا لأن من قال بأمر أو بقول باطل كان عالماً أو أمر بمعصية كان حاكماً فالأمور عندنا جلية واضحة والمعالم قائمة والنصوص قاطعة والتطبيق والهدي في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومسيرة أهل الإسلام من الصحابة والتابعين وسلف الأمة وأخيارها عبر الزمان كله شاهدة بالحق: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

وهنا احذر من هذه المزالق الجهل وما أدراك ما الجهل، لا تخض في أمر لا تعرفه، فكم أضل وأزاغ هذا الجهل الذي يعم اليوم كثيراً من الناس دون أن يسترشدوا بالنصوص ولا بأهل العلم.

والأمر الثاني وهو أخطر: وهو اتباع الهوى: المصالح التي تُنطق كثيراً من الناس بعكس الحق حفاظاً على حياته أو تحصيلاً لأمواله أو رعاية لمصلحته أو خوفاً على عمره أو نحو ذلك، واتباع الهوى أيضاً فيه زيغ وفيه انحراف عن الحق والحق بذلك أيضاً التعصب إما لأهل مذهبك أو لأهل بلدك بالحق وبالباطل: "لا يكن أحدكم إمعة، إن أحسن الناس أن يحسن وإن أساؤوا أن يجتنب إساءتهم"، واستمعوا إلى القدوة العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأول رباً أضعه ربا العباس ابن عبدالمطلب" وهو يقول في ما أظنه ليس له مثيل: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" صلى الله عليه وسلم".

هذه المعالم لابد أن تكون قوية راسخة لا تضطرب مع هذه الأحوال وخاصة ما يروّج بالكثرة ويروّج بالدعاية حتى يُظن أنه هو قول الغالبية أو يظن أنه القول الحق، وهذا في وسائل الإعلام كثير، واليوم وغدا وبعد غد لن يكون مقبولاً في المنطق العقلي فضلاً عن الحكم الشرعي أن تقول: سرتُ على هذا، أو فعلت هذا لأن الإعلام قال، أنت مطالب بأن تقول لأن الله قال، أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، أو لأن علماء الأمة وسلفها فعلوا، فهنا ينبغي لنا أن نحصن أنفسنا، البوصلة تضطرب بالمؤثرات الخارجية، من هنا أهواء ومن هنا آراء ومن هنا ضغوط ومن هنا نحو ذلك، فاثبت حتى تبقى على اليقين بإذن الله عز وجل، وهذا الثبات لابد أن نستمد فيه من الله عز وجل بدوام التضرع إليه حتى لا تزيغ قلوبنا، فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ورأينا في هذه الأحوال من كنا نرى فيهم نماذج وقدوات كيف بدا من بعضهم والعياذ بالله ما هو عكس الحق ومع الباطل في صور هالت كثيراً من الناس، لكن غالبيتهم بفضل الله عز وجل وبفضل هذا النهج العظيم الثابت في كتاب الله وسنته لن يضطرب.

وهنا مسألة أخيرة مهمة إذا وقع الاضطراب فحرام عليك أن تعمم الحكم على كل الناس من أهل الحق والإخلاص والجهاد والسبق، فإن حصلت مشكلة قال: كلهم ليس فيهم خير، وقال: كلهم ليس عندهم جهاد، فكما نسمع اليوم عندما تثار أمور في قضية فلسطين أو في بلاد الشام الدماء التي سالت لوجه الله عز وجل، المرابطون في سبيل الله عز وجل الذين نعلم ويعلم كل الناس في شواهد كثيرة إخلاصهم من دس فيهم من دس ومن أدخل فيهم من أدخل والتلاعبات الكبرى التي تحصل ينبغي ألا تجعلنا نحيد عن الحق فنميز بين من ضل وانحرف، وبين من ثبت وأعان لأن هذا من مقاصد الأعداء أن يشوهوا لدينا كل شيء ويخلطوا عندنا الأمور فنترك حينئذ أمر ديننا فلا نلتفت إليه، دع أهل القدس وأهل فلسطين وحدهم فقد اضطربت آراؤهم، واترك أهل الشام فمالي ولهم، وهكذا حتى نصبح أوزاعاً ونصبح أشلاء ممزعة ممزقة والعياذ بالله، نبقى على قلب رجل واحد، نبقى أمة واحدة، نبقى مستمسكين بكتاب واحد متبعين لهدي رسول واحد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ونعود لنؤكد استقرار هذه البوصلة التي تحدد الاتجاه.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعل في قلوبنا حسن الصلة به وعظمة الاستمساك بنهجه وتمام التسليم لأمره وكمال الرضا بقضائه، وكل الاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ـــــــــــــــــــــ

ثمرات البركة واستجلابها

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ: اهمية البركة : ايها المسلمون: الكل يصيح

الاثار الطيبة بعد الموت

الحمد الله العزيز الغفار الواحد القهار، أنعم على العباد بهذه الدار، وجعلها مكان بلاء واختبار، ووعد الطائعين بجنات وأنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تواب غفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى عليه الله وعلى آله وسلم ما أثمرت الأشجار وما تفتحت الأزها

قانون الإضافة البسيطة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على أهلها وانزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، ما نزل غيث إلا بمداد حك