أواخر شعبان

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 2 يوليو 2013 الساعة 12:00:00 صباحاً
أواخر شعبان

حيدر الصافح / خاص ينابيع تربوية

الخطبة الأولى

ونحن نعيش في أواخر شعبان محملين بأوزار ومظالم ،عاقبنا الله بالجوع والخوف بما صنعنا ولا مخرج لنا مما نحن فيه إلا باتباع برنامج عملي يتمثل في أمور منها :

الاعتصام بالكتاب والسنة ؛ لأنها طريق النجاة والهداية والفلاح ، قال تعالى : ) وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ) .

وقال عليه الصلاة والسلام مخاطباً أصحابه رضوان الله عليهم : ( وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) .

ثم التوبة النصوح : إذْ هي واجبة في كل الأوقات وهي في الفتن والشدائد والمحن أوجب ، قال تعالى : ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) .

ولنا في قصة نبي الله يونس عليه السلام عبرة وموعظة فإن قومه لما رأوا نذر العذاب قد بدأت تلوح لجأوا إلى الله ، وتضرعوا إليه رفع الله عنهم العذاب ، ومتعهم إلى حين مماتهم وانقضاء آجالهم كما قال الله سبحانه : ( فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) .

إننا أيها الناس ونحن نعيش وضعاً صعباً ومحنة كبيرة لم نحدث توبة صادقة وضراعة واستكانة جماعية لربنا وخالقنا ، ولكن الكثير تمرد على الله وازداد عتواً واستكباراً وفساداً في الأرض .

لقد زادت العداوة والشحناء فيما بيننا ، واستباح البعض دماء الآخرين وأموالهم ، وسبحان الحكيم العليم الذي أخبرنا عن هذه النماذج الفاسدة المفسدة المحجوبة عن الله التي لا ترعوي ولا تتعظ فقال سبحانه : ( وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) .

إن الخوف والقلق وقطع الطرقات وانعدام المشتقات النفطية والماء والكهرباء وغلاء الأسعار ، وسفك الدماء وتشريد الآلاف كل هذه عقوبات ، أفلا تكفي لنضرع إلى الله ونخضع له ونعمل بأمره ونجتنب نهيه ونسير على الصراط المستقيم حتى يرفع الله عنا العذاب ويزيل الكربة .

واعلموا أيها المسلمون : أن العقوبات العامة التي تصيب مجموع الأمة ولا يسلم فرد منها لا ترتفع إلا بتوبة جماعية عامة يحدثها المجتمع بالرجوع إلى الله والتخلص من المظالم وترك الفواحش والجرائم وتعظيم حرمات الله وبذل الندى والإحسان وكف الأذى عن الناس وصلة الأرحام وترك الزور ، والكذب والحسد والبغضاء والغش والخداع وغير ذلك مما حرمه الله فعلى الأمة أن تتوب ، وأن تدرك أن ما وصلنا إليه إنما هو جار على مقتضى سنن الله التي لا تحابي أحداً كائناً من كان ، قال الله تعالى : ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ) .

على الأمة أن تحدث توبة جماعية شاملة تتوقف عن فعل المنكرات التي شاعت وانتشرت من ظلم وطغيان ، وحكم بغير ما أنزل الله وتقصير في أداء الفرائض والواجبات وترك الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

على الأمة أن تتوب فيما بينها وتقلع عن الظلم ، والربا ، والفسق والمجون ، والإسراف ، والترف وغير ذلك من المعاصي والمخالفات المؤذنة باللعنة وحلول العقوبات .

وعلى كل فرد أن ينظر في حاله مع ربه وحاله مع خلقه من من أقارب وجيران وغيرهم ، قال تعالى : ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ( .

على العقلاء أن يسفيدوا من التجارب وعبر التاريخ وأحوال الأمم في القديم والحديث فإن ذلك من جميل ما ينبغي الأخذ به ، فالحياة كلها تجارب ، واستفادة من التجارب ، وميزة إنسان على إنسان ، وأمة على أمة هي القدرة على الاستفادة من التجارب وعدمها ، فالحوادث تمر على الناس جميعاً ويشاهدونها فيستفيد منها أناس بمقدار مائة بالمئة وآخرون يستفيدون بمقدار خمسين بالمئة وهكذا .

غير أن نوعاً من الناس تمر بهم الحوادث على عين بلهاء ، وقلب معرض ، فلا يستفيدون منها شيئاً ، ولا تحس لهم أثراً فهم أموات قبل موتهم وما أجدر هؤلاء بقول الله تعالى : ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) .

والفرق بين من يستفيد من التجربة ومن لا يستفيد منها أن المستفيد يستطيع أن ينتهز الفرص في حينها وأن يتجنب المخاطر قبل وقوعها ويأخذ بأسباب السلامة والنجاة .

وأما الذي لا يستفيد منها ولا يستفيد من فرص السلامة والنجاة ولا يشعر بالخطر إلا بعد وقوعه .. فإنه يقع في سوء تفريطه .

فلا يليق بنا أن نكرر الأخطاء التي وقع بها غيرنا ولا نستفيد من عبر الماضي ودروس الحاضر ولا يحسن بنا أن نغفل تعامل أسلافنا مع ما مر بهم من البلايا ، وكيف تجاوزوا تلك المحن والفتن بل علينا أن نقتبس من هداهم ونستلهم العبر من صنيعهم .

ثم لابد من النظر في عاقبة الظلم فمهما طال البلاء ومهما استبد الألم فإن عاقبة الظلم وخيمة وإن العاقبة الحميدة إنما هي للتقوى والمتقين كما بيّن ذلك ربنا في محكم التنزيل ، ذكر لنا سبحانه عاقبة النمرود وفرعون ، وهامان وقارون ، وغيرهم ممن طغى وتجبر وظلم .

لقد كانت نهاياتهم بائسة ، إنها الدمار والبوار ، وجهنم وبئس القرار .

كما بيّن لنا ماذا كانت عاقبة الأنبياء والمصلحين المقسطين من عباد الله المؤمنين ، إنها الفلاح والنصر والتمكين والجنة ونعم عقبى الدار .

فعلى الجميع أن يتقي الظلم فإن الظلم ظلمات وعاقبته وخيمة ، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ، قال الله تعالى :

( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) .

قلت ما سمعتم وأستغفر الله

الخطبة الثانية

إن من أعظم أسباب كشف الكربات ورفع البلاء في الدنيا والآخرة لزوم الاستغفار والإكثار منه فإنه العلاج الشافي والدواء الناجع .

إن السبيل لتفريج الهم والكربات هو أن يقدم الإنسان بين يدي الله تعالى عملاً صالحاً خالصاً له عز وجل ، وأن يترك ما كان عليه من العصيان والتمرد ، وأن يرجع إلى الله بالتضرع والتوسل إليه والإكثار من قراءة القرآن والاستغفار .

وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علاج الهموم والغموم والكربات فقال : ( من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ، ومن كل هم فرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ) أخرجه أبو داود وابن ماجه .

وقال عليه الصلاة والسلام لمن نزل به هم أو حزن : ( ما قال عبد قط إذا أصابه هم وحزن : اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيَّ حكمك ، عدل فيَّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري ، وجلاء حزني وذهاب همي ، إلا أذهب الله عز وجل همه وأبدله مكان حزنه فرحاً ) أخرجه أحمد .

وقد دعى الله عباده إلى الرجوع إليه بالتوبة والاستغفار وربط بالاستغفار خيري الدنيا والآخرة ، وأثنى على المستغفرين فقال سبحانه : ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) .

والاستغفار معناه : طلب المغفرة من الله بمحو الذنوب ، وستر

العيوب ، فالاستغفار سبب لمغفرة الذنوب .

كما أن ملازمته يدفع العذاب قبل نزوله كما قال الله : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .

والاستغفار سبب لتفريج الهموم وجلب الأرزاق ونزول الغيث ، كما أخبر الله عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ) .

قال بعض المفسرين : إن قوم نوح لما كذبوا زمناً طويلاً حبس الله عنهم المطر ، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فهلكت مواشيهم وزروعهم ، فصاروا إلى نوح عليه السلام واستغاثوا

به ، فقال : ( اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ) أي : لم يزل كذلك لمن تاب إليه ، ثم قال ترغيباً في الإيمان : ( يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ) .

قال قتادة : علم نبي الله عليه الصلاة والسلام أنهم أهل حرص على الدنيا فقال : هلموا إلى طاعة الله فإن في طاعة الله درك الدنيا والآخرة .

فتوبوا إلى الله أيها المؤمنون واستغفروه يمتعكم متاعاً حسناً ويمدكم بكل خير ويصرف عنكم كل شر فالجئوا إليه وادعوه دعاء المضطرين وألحوا على الله بالدعاء وأظهروا فقركم واستكانتكم وانكساركم وندمكم على ما صدر منكم ، واعقدوا عزماً صادقاً على التوبة النصوح بالإقلاع عن الذنوب وعدم العودة إليها ورد المظالم إلى أهلها يغفر لكم ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم .

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال : ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح

النظرة الايجابية واثرها

الحمد لله الذي أمر عباده بالجد والاجتهاد، والسعي لما فيه مصلحة العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك جعل السعي إلى الكمال الإنساني طبيعة بشريّة، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، علّم أمته معاني الهمّة والعزيمة، والايجابية وغرس فيهم قوة الإرادة والشكيمة