والله ما الفقر أخشى عليكم

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 21 مايو 2013 الساعة 12:00:00 صباحاً
والله ما الفقر أخشى عليكم

الدكتور. حيدر الصافح /خاص ينابيع تربوية

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة والقدوة العظمى للمؤمنين في الإقبال على الآخرة وترك الدنيا وعدم الالتفات إليها أو الفرح بها أو جمعها أو التلذذ بطيباتها أو التنعم بخيراتها ، فلم يبني قصراً ، ولم يدخر مالاً ، ولم يكن له كنز ولا أرصدة ، ولم يخلف بستاناً ولا مزرعة ولا عقاراً وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه :

( نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ، ما تركناه صدقة ) أخرجه البخاري ومسلم .

وإليكم هذه الطائفة من الأحداث والأحاديث التي تبين زهد النبي صلى الله عليه وسلم وإعراضه عن زهرة الحياة الدنيا وزينتها .

فقد قيل له صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتحيها ما لم يعط نبي قبل ، ولا يعطى أحد من بعدك ولا ينقص ذلك مما لك عند الله وإن شئت جمعتها لك في الآخرة فقال : ( اجمعها لي في الآخرة ) فأنزل الله عز وجل في ذلك : ( تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ) .

ومما يدل على حقارة الدنيا وهوانها على الله أن الله تعالى يحمي أحبابه وأصفياءه من الدنيا ، فقد كان يمر عليه صلى الله عليه وسلم الهلال ثم الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة وما يوقد في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم

نار ، وإنما هما الأسودان التمر والماء ، وربما ظل صلى الله عليه وسلم يومه يلتوي من شدة الجوع وما يجد من الدقل ـ وهو رديء التمر ـ ما يملأ بطنه وما شبع صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعاً من خبز بر حتى قبض وكان أكثر خبزه من الشعير ، ولم يترك صلى الله عليه وسلم عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمة ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة .

قالت عائشة رضي الله عنها : ( توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي من شيء يأكلها ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي فكِلْتُه ففني ) . متفق عليه .

ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي مقابل شيء من الشعير .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال : ( ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة ؟ ) قالا : الجوع يا رسول الله . قال : ( وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قوموا ) فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار فإذا هو ليس في بيته ، فلما رأته المرأة قالت : مرحباً وأهلاً ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أين فلان ؟ ) قالت : ذهب يستعذب لنا الماء ، إذْ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله وصاحبيه ثم قال : الحمد لله ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافاً مني قال : فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب ، فقال : كلوا من هذه وأخذ المدية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إياك والحلوب ) فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ( والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم النعيم ) أخرجه مسلم .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف على أمته الافتتان بالدنيا

وزخارفها ، ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صالح أهل البحرين ، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال :

( أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء ) فقالوا : أجل يا رسول الله قال : ( فأبشروا وأملوا ما يسركم ، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم ) أخرجه البخاري ومسلم .

في هذا الحديث الشريف تحذير من الاغترار بالدنيا والفتنة بها فإن المنافسة في الدنيا تجر إلى هلاك الدين وفساد الأخلاق ، فينبغي للعاقل أن يتنبه ويحذر إذا فتحت عليه الدنيا أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها ، فلا يركن إليها ولا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس غيره فيها .

ولقد وقع ما تخوف من وقوعه صلى الله عليه وسلم فليس هلاك الأمة اليوم إلا بسبب تنافسها على الدنيا ، فما سبب قطيعة الأرحام ؟ وما سبب العقوق والتنافر ؟ وما سبب التقاطع والتدابر ؟ ما سبب هذا الاختلاف والعداء الحاصل بين المسلمين ؟ ما سببه إلا الاغترار بالحياة الدنيا والانْخِداع بزخرفها وحطامها .. ونسيان الله والدار الآخرة فالرسول صلوات الله وسلامه عليه يقسم ويقول : ( فوالله ما الفقر أخشى عليكم ) لا أخاف عليكم من الفقر الذي هو قلة ذات اليد ، فهذا أمره سهل ويسير ولكن الخطر في الغنى والتكاثر ، وأن تبسط الدنيا ويحصل التنافس والتنازع عليها .

ومن التنافس على الدنيا التكاثر فيها كل واحد يريد أن يكون أكثر من الآخر في الدنيا ، التطاول في البنيان وها نحن نرى ونسمع اليوم بعض الأعراب ممن فتنتهم الدنيا بزينتها يتنافسون ويتبارون ويتفاخرون في بناء ناطحات السحاب والتكاثر بالأموال والبذخ والسرف في تسابق مجنون وتنافس مذموم ومحموم قال صلى الله عليه وسلم: ( ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) .

والتنافس على الدنيا والتسابق عليها مذموم شرعاً وعقلاً إنما التنافس المحمود الذي مدح الله أهله هو التسابق في طاعته ومرضاته والتنافس فيما عنده كما قال الله تعالى : ) فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ( ، وقال : ) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ( ، وقال : ) وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ( ، وقال : ) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ( .

كما حذرنا الله من أن تلهينا الدنيا عن ذكره والاستعداد للآخرة فقال سبحانه : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ، وقال : ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) .

فحظوظ الدنيا إذا ألهت عن ذكر الله ، وعن القيام بما أوجب الله كانت وبالاً وسبباً للهلكة والهلاك ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : ( فتهلككم كما أهلكتهم ) .

إن بسط الدنيا من الفتن التي يبتلي الله بها الناس كما أن الفقر ابتلاء يبتلي به الله عباده كما قال سبحانه : ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) .

فالله يبتلي عباده بالفقر والغنى ، ولكن فتنة بسط الدنيا وكثرتها أخطر من فتنة الفقر وضيق المعيشة .

قال بعض السلف رحمهم الله : ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر .

وفي هذا الحديث يحذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من خطر الدنيا وعاقبة التنافس فيها والصراع عليها .

ولهذا ينبغي للمسلم إذا أنعم الله عليه بشيء من الدنيا أن يفرح فرحاً طبيعياً محدوداً ويشكر الله تعالى على نعمه لا أن يفرح فرحاً يخرجه إلى الأشر والبطر والاغترار كفرح قارون الذي اغتر بما أوتي من الثراء ، وفتن نفسه ، وفتن الجهلاء من قومه كما قال الله تعالى فيه : ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ) .

لقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام على الزهد في الدنيا والتقلل منها وحب الآخرة والعمل لها ، ورباهم صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله ، فأثرت تلك التربية في نفوسهم وترجموا ذلك عملاً وسلوكاً في حياتهم .

لقد ارتبطت قلوبهم بالله وسمت نفوسهم وأرواحهم ، فكانت أجسادهم في الأرض لكن قلوبهم وأرواحهم في الملكوت الأعلى وكل أصحاب رسول الله قمم عالية كيف لا ومعلمهم ومربيهم وقدوتهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وإليكم نموذجاً واحداً من النماذج الفذة في الزهد والورع إنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة وثاني الخلفاء الراشدين .

لقد كان الزهد في حياة الفاروق عمر رضي الله عنه أصلاً من الأصول التي قام عليها منهجه وعمله ومن أثر الزهد في حياته أن الله تعالى ثبت الحكمة في قلبه وأطلق بها لسانه ، وبصَّرَه بعيوبه ، ورغب في الباقيات الصالحات ، وترك الشهوات الفانيات وحقيقة زهد عمر بن الخطاب إيجابية ، فقد ترك كل شيء لا ينفع في الدار الآخرة فلم يكن الزهد عنده يعني الانقطاع عن الدنيا بترك الأهل والمال والأولاد ، فليس كل ذلك من الزهد في شيء وإنما هو عجز وهروب من الواقع ، فقد أخبر الله تعالى عن أنبيائه ورسله بأنهم بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وكان لهم أزواج وذرية ، والإنفاق على الأهل والأولاد من الواجبات الشرعية التي يأثم المرء بتركها .

إنما كان زهد عمر في ترك الدعة والراحة ، فاجتهد في جهاد الفرس والروم ، حتى صار أهل الإسلام سادة الدنيا كلها ، وانتشر الإسلام في ربوع المعمورة .

وبالزهد في متاع الحياة الدنيا الزائل فاق الفاروق الصحب الكرام وأحبه أهل الإسلام ، وأبغضه أهل الشرك والنفاق والكفران .

يقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه : ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأولنا إسلاماً ، ولا أقدمنا هجرة ، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا وأرغبنا في الآخرة .

ويقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : والله ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقدمنا هجرة وقد عرفت بأي شيء فَضَلَنا كان أزهدنا في الدنيا .

ومن أمثلة زهده رضي الله عنه وعزوفه عن شهوات الدنيا أنه بعد فتح فارس كان يأتيه الذهب وهو خمس الفيء فيبكي ويقول : إن الله زوى الدنيا عن محمد وأبي بكر ، وبذلها لي ، فأخشى أن يكون قد فعل ذلك ليهلكني .

لكن عمر رضي الله عنه لم تشغله هذه الأموال الهائلة المحمولة له من أرجاء الأرض ، فقد زهد فيها جميعاً وأصبح يكتفي بالكسرة والتمرة ، وبيده خزائن الأرض وأنفق تلك الأموال في مصالح المسلمين فبسط العدل وأقام الطرق والدروب وجهزها بأماكن للراحة ، بها ماءٌ وظلٌ للناس والدواب ، وقام بعمل أول سجل مدني في تاريخ العرب والإسلام ، فسجل الصحابة حسب أسبقيتهم في الإسلام وأجرى لهم مرتباتهم وأرزاقهم وكان يقول رضي الله عنه مبرراً زهده في الدنيا وتقلله منها : نريد أن نستبقي طيباتنا لأنا سمعنا الله يقول : ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا ) .

عن عبد الله بن ربيعة قال : خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاجاً من المدينة إلى مكة إلى أن رجعنا فما ضربَ له فسطاطاً ولا خباءً ، كان يلقي الكساء والنطع على الشجر ويستظل تحته.

هذا هو أمير المؤمنين الذي يسوس رعية من المشرق إلى المغرب ويجلس على التراب وتحت رداء كأنه أدنى الرعية أو من عامة الناس .

وكان كثيراً ما يتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر ثم يبكي ويقول : إنه كان لي صاحبان سلكا طريقاً ، فإن سلكت طريقاً

غير طريقهما سلك بي غير طريقهما ، إني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أن أدرك معهما عيشهما الرخي . 

فرضي الله عن عمر وعن سائر الصحابة والقرابة الذين جعلهم الله أمنة أهل الأرض ، وجعلهم أئمة يهدون بالحق وبه يعدلون .

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال : ....

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح